الشريف الرضي

23

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

فيؤدي ذلك إلى زيغ قلوبنا بعد الهداية كما تقدم بيانه ( 1 ) في قوله سبحانه ( . . . ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا . . . ) ، وإما أن يكون المراد بذلك ألا يعدل بهم عن زيادة الهدى والألطاف في هذا الباب . 10 - والذي أقوله في ذلك : إن من أصلنا رد المتشابه من الآي إلى المحكم منها ، كما بينا أولا ، وقد ورد في القرآن من ذكر الإزاغة ما بعضه محكم وبعضه متشابه ، فيجب رد متشابهه إلى محكمه - على الأصل الذي قررناه - ، فالمتشابه من ذلك قوله سبحانه ههنا : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) ، وهذا لا يجوز أن يكون محمولا على ظاهره ، لأنه يقودنا إلى أن نقول : إن الله سبحانه يضل عن الايمان ، وقد قامت الدلائل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه قبيح ، وهو غني عنه ، وعالم باستغنائه عنه ، ولأنه تعالى أمرنا بالايمان وحببنا إليه ، ونهانا عن الكفر وحذرنا منه ، فوجب ألا يضلنا عما أمرنا به ، ولا يقودنا إلى ما نهانا عنه ، وإذا لم يكن ذلك محمولا على ظاهره فاحتجنا إلى تأويله على الوجوه التي قدمنا ذكرها ، فهو متشابه ، لان من صفة المتشابه ألا يقتبس علمه من ظاهره وفحواه ، فوجب رده إلى ما ورد من المحكم في هذا المعنى ، وهو قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) . فعلمنا ان الزيغ الأول كان منهم ، وأن الزيغ الثاني كان من الله سبحانه على سبيل العقوبة لهم ، وعلمنا أيضا أن الزيغ الأول غير الزيغ الثاني ، وأن الأول

--> ( 1 ) في سورة البقرة .